التليفزيون ترفيه.. أم إدمان؟!

 

 

 

 

مشاهدة التليفزيون قد تكون مفيدة ومسلية في برامجها الثقافية والترفيهية، إلا أن كل تسلية لها حدودها المعقولة، وإذا تخطت هذه الحدود تبرز المخاطر، ومن بينها الإدمان

ولقد تحولت مشاهدة التليفزيون بالفعل لدى الكثيرين إلى إدمان، فالمخدرات أو ما شابهها تتيح للمدمن حالة عقلية سارة مؤقتة وسلبية دائمة! فهي تؤجل الهم والغم الذي قد يصيب المدمن .. والتليفزيون أقرب إلى ذلك. إننا نتعاطى التليفزيون !! والواقع يؤكد ذلك ولا سيما في شهر رمضان الفضيل الذي يتميز في بلداننا العربية بظهور فيضان من المسلسلات والبرامج والسهرات التي تجذب كل أفراد الأسرة

ولقد قام العلماء بإجراء أبحاث عديدة خلال العشرين سنة الماضية حول ظاهرة إدمان التليفزيون وما تنطوي عليه من أخطار. وتشير الدراسات في أوروبا وأمريكا إلى أن المشاهدين يكرسون ما بين 3 و4 ساعات يوميا للمشاهدة، أي إنهم يقضون نصف وقت الفراغ في هذا المجال وحده، أكثر من أي مجال آخر، باستثناء العمل والنوم.. ووفق هذا المعدل، فإن من يعيش حتى عمر 75 عاما، يكون قد أمضى حوالي 10 سنوات أمام هذا الجهاز الساحر!. 

تطور صناعة التليفزيون

انطلق أول إرسال تجريبي يوم 30 سبتمبر عام 1929 لمدة دقيقتين بواسطة إذاعة B.B.C البريطانية بالصورة فقط بدون الصوت، وكان صاحب هذا الاختراع العجيب هو العالم البريطاني "جون لوجي بيرد". 

وفي عام 1930 تم عرض أول تمثيلية تليفزيونية من أستديوهات بيرد، رغم أنه لم يتواجد في ذلك الوقت سوى 29 جهازا تليفزيونيا. وأجريت بعد ذلك عدة تجارب واختراعات لتحسين عمل الكاميرات لتتمكن من نقل اللقطات كاملة، إلا أن التجارب لم تتوقف حتى بدأت هيئة الإذاعة البريطانية عام 1936 في نقل أول إرسال تليفزيوني منتظم، وكان هو الأول من نوعه في العالم، ولم يكن موجودا غير 400 جهاز تليفزيوني

وتوقف الإرسال في سبتمبر عام 1939، بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث خشي الحلفاء أن يستفيد الأعداء من الإشعاع التليفزيوني في غاراتهم الجوية على المدن البريطانية، وعقب الحرب أعيد افتتاح التليفزيون البريطاني لينتظم إرساله يوم 7 يونيو عام 1946.

تطورت صناعة التليفزيون بشكل ملحوظ وخاصة في السنوات التالية على الحرب، فارتفع عدد محطات الإرسال من 10 محطات عام 1946 إلى 217 محطة عام 1950، حيث أصبح لخمسة بلدان خدمات دورية من البث التليفزيوني، ازدادت بعد 10 سنوات ليصبح العدد أكثر من مائة بلد، وبلغت عام 1980، 138 دولة، إلى أن انتشر التليفزيون بصورة مذهلة، حتى لا تكاد تكون هناك دولة تخلو من الخدمات التليفزيونية، وأصبح التليفزيون جزءا من كيان الإنسان؛ حيث لا يخلو بيت في معظم بلاد العالم من جهاز تليفزيوني.

أعراض الإدمان

يربط العلماء بين الإسراف في المشاهدة وبين الإدمان.. فالضيق والتوتر الذي ينتاب مدمن التليفزيون عند إصابة الجهاز بخلل أو انقطاع التيار الكهربائي أثناء الجلوس أمامه يشبه ما تفعله العقاقير المهدئة التي تسبب إدمانا عند افتقادها. بل يذهب بعض العلماء إلى حد تشبيه إدمان التليفزيون بالمخدرات، فالناس يعانون أعراضا مشابهة لأعراض الإقلاع عن المخدرات، عندما تقل أو تتوقف مشاهدتهم للتليفزيون.

ولدراسة ردود أفعال من يفرطون في مشاهدة التليفزيون، قام فريق من الباحثين الأمريكيين بتجارب مهمة اعتمدت على رصد أمواج المخ وسرعة ضربات القلب أثناء المشاهدة الطويلة. وأظهرت النتائج التي سجلها جهاز موجات المخ، أن النشاط الفكري كان محدودا جدا، وأن موجات "ألفا" المعبرة عن درجة هذا النشاط تقل خلال المشاهدة عما تكون عليه أثناء القراءة. كما كشفت هذه التجربة أن الإحساس بالاسترخاء ينتهي عند إطفاء الجهاز ويستمر انخفاض النشاط الذهني. وأشار فحص المشاركين إلى أن التليفزيون استحوذ عليهم، وامتص في الوقت نفسه بعض طاقاتهم الفكرية!

وتمكن الباحثون من جمع بيانات عن آلام التوقف عن المشاهدة شبيهة بمعاناة الإقلاع عن المخدرات. وأظهرت النتائج أن التليفزيون أشد إغراء من العلاقات الاجتماعية، وتبين أن حياة الذين يفرطون في مشاهدة التليفزيون حياة غير متوازنة بسبب هذه العادة التليفزيونية وهي أقرب إلى حياة مدمني المخدرات أو الكحول! فهم يعيشون في نمط مسيطر عليهم، ولا يهتمون بالأنشطة المؤدية إلى التطور والإحساس بالإنجاز! فالمشاهدة في كثير من الأحيان تشوه معنى الوقت وتقلل العلاقات الإنسانية، وتهدر فرص التواصل بين الناس، بل أحيانا تزيلها!! لذلك يوصف الإدمان بأنه المفرق للصداقات، والممزق للعلاقات الاجتماعية، فضلا عن إهمال الهوايات والعادات الأخرى المفيدة.

التليفزيون يغتال براءة الأطفال 

أما الأطفال فيعاني العديد منهم اضطرابات نفسية ومشكلات سلوكية وصحية ناجمة عن مشاهدة التليفزيون كالاكتئاب والسلوك العدائي وفرط النشاط والغيرة المرضية والخوف وغير ذلك. وأظهرت دراسة علمية لنمو الأطفال أن إدمان التليفزيون يؤدي لانخفاض المهارات اليدوية وزيادة السمنة وضعف التخيل والابتكار. وأشارت إلى تأثير أفلام العنف والجريمة على الأطفال، مؤكدة أن هذه النوعية ذات تأثيرات بالغة على العقول الصغيرة. كما بينت الدراسة أن معدل حرق الجسم للسعرات الحرارية أو الهضم وتمثيل الجسم للمواد الغذائية يقل في المتوسط بمقدار 14% عند مشاهدة التليفزيون عنه عند النوم.

وأضاف البحث أن المشاهدة المكثفة للتليفزيون تؤثر تأثيرا سالبا على القوى والوظائف العقلية التي تقف خلف التخيل الابتكاري بصورة عامة والطلاقة الفكرية، كما ‏ ‏تؤثر على مستوى الوعي عند الأطفال وتكسبهم أنماطا من السلبية واللامبالاة، وأن الأطفال الذين يشاهدون التليفزيون لفترات طويلة يفقدون الإحساس بالزمن ‏وعدم الحاجة أو الرغبة في ممارسة أية أنشطة عقلية أو حركية؛ وهو ما يساعد على نمو الإحساس بالبلادة والبطء الاستجابي والانفعالي.

أما عن المخاطر المرتبطة بتأثير الإعلانات التليفزيونية على قيم وسلوكيات الأطفال فقد أكدت دراسة علمية أجراها باحثون في جامعة "هيرتفوردشاير" في "هاتفيلد" ببريطانيا عام 2000م أن الأطفال دون السابعة الذين يشاهدون الكثير من إعلانات التليفزيون يكتسبون عادات سلوكية ذميمة مثل الطمع والإلحاح في طلب السلع المعلن عنها في التليفزيون بصورة متكررة قد تزيد 5 مرات عن أولئك الذين يشاهدون عددا أقل من هذه الإعلانات.

وذكرت هذه الدراسة أن الأطفال الذين تعرضوا لحملات إعلانات ألعاب الأطفال بشكل مكثف زاد طلبهم بشكل مثير عن طلبات أقرانهم الذين تعرضوا لنفس الإعلانات لفترة أقل، وأن أولئك الذين شاهدوا التليفزيون مع آبائهم كانوا أقل عرضة لتأثير الإعلان ولجشع المعلنين. وأظهرت الدراسة أن مشاهدة الإعلانات مع الأمهات أو الآباء قد تعدّل من هذه السلوكيات؛ لأن وجود شخص بالغ يمكن أن يساعد الطفل على تمييز الاختلاف بين الإعلانات والبرامج العادية، وبين الغث والسمين.‏

مسلسلات التليفزيون تجلب الأمراض 

إلا أن الكبار أنفسهم قد لا يستطيعون السيطرة على تأثير ما يقدم في التليفزيون؛ حيث اكتشفت دراسة أمريكية أن آلاف المتابعين للمسلسلات التليفزيونية يتفاعلون مع أحداث المسلسلات إلى حد أنهم يشعرون بأعراض الأمراض الخطيرة التي يشتكي منها أبطالهم على الشاشة. وتقدم الدراسة كثيرا من الأدلة على مدى تأثير المسلسلات التليفزيونية في طريقة إدراك المشاهدين لحالتهم الصحية. ويرى الاختصاصيون أن المخاوف الصحية التي يكتسبها البعض من خلال مشاهدة التليفزيون تساهم في زيادة حجم الأعباء التي يواجهها الأطباء.

وكانت دراسة أخرى أجريت في بريطانيا قد أظهرت نفس النتائج؛ حيث ثبت أن أعدادا كبيرة من المرضى الذين تدافعوا لزيارة أطبائهم اشتكوا من أعراض أصيبت بها شخصيات في مسلسلات بريطانية!!

فهل ستنتظر عزيزي القارئ- إعلانا تحذيريا من وزارة الصحة يحذرك من مشاهدة التليفزيون أم سترشّد من مشاهدتك للتليفزيون وتقاوم طوفان الفضائيات القادم من السماوات المفتوحة من تلقاء نفسك؟! .. كان الله في عونك.

Volver Atras